مجمع البحوث الاسلامية
229
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
المادّيّة والمعنويّة . لا شكّ أنّ المقصود من « الجهاد » في هذا الموضع ، هو الجهاد الفكريّ والثّقافيّ والتّبليغيّ ، وليس الجهاد المسلّح ؛ ذلك لأنّ هذه السّورة مكّيّة ، ونحن نعلم أنّ الأمر بالجهاد المسلّح لم يكن قد نزل في مكّة . [ ثمّ ذكر قول الطّبرسيّ وأضاف : ] فيمكن أن يكون هذا الحديث إشارة إلى نفس هذا الجهاد وإلى عظمة ما يؤدّيه العلماء في التّبليغ بالدّين ، هذا التّعبير يجسّد أيضا عظمة مقام القرآن ، ذلك لأنّه وسيلة هذا الجهاد الكبير ، والسّلاح القاطع ، الّذي قدرته البيانيّة واستدلاله وتأثيره العميق ، وجاذبيّته فوق تصوّر وقدرة البشر . ( 11 : 248 ) جاهدوا 1 - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . المائدة : 35 الطّوسيّ : أمر منه تعالى بالجهاد في دين اللّه ، لأنّه وصلة وطريق إلى ثوابه . ويقال لكلّ شيء وسيلة إلى غيره : هو طريق إليه ، فمن ذلك طاعة اللّه فهي طريق إلى ثوابه ، والدّليل على الشّيء : طريق إلى العلم به ، والتّعرّض للشّيء : طريق إلى الوقوع فيه ، واللّطف : طريق إلى طاعة اللّه . والجهاد في سبيل اللّه قد يكون باللّسان واليد والقلب والسّيف والقول والكتاب . ( 3 : 510 ) نحوه الطّبرسيّ . ( 2 : 189 ) ابن عطيّة : خصّ الجهاد بالذّكر لوجهين : أحدهما : نباهته في أعمال البرّ ، وأنّه قاعدة الإسلام ، وقد دخل بالمعنى في قوله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ ولكن خصّه تشريفا . والوجه الآخر : أنّها العبادة الّتي تصلح لكلّ منهيّ عن المحاربة ، وهو معدّلها من حاله وسنّه وقوّته وشره نفسه ، فليس بينه وبين أن ينقلب إلى الجهاد إلّا توفيق اللّه تعالى . ( 2 : 187 ) الفخر الرّازيّ : واعلم أنّه تعالى لمّا أمر بترك مالا ينبغي بقوله : اتَّقُوا اللَّهَ وبفعل ما ينبغي بقوله : وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ وكلّ واحد منهما شاقّ ثقيل على النّفس والشّهوة ، فإنّ النّفس لا تدعو إلّا إلى الدّنيا واللّذّات المحسوسة ، والعقل لا يدعو إلّا إلى خدمة اللّه وطاعته والإعراض عن المحسوسات ، وكان بين الحالتين تضادّ وتناف . [ إلى أن قال : ] وإذا كان كذلك كان الانقياد لقوله تعالى : اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ من أشقّ الأشياء على النّفس وأشدّها ثقلا على الطّبع ، فلهذا السّبب أردف ذلك التّكليف بقوله : وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ . ( 11 : 220 ) ابن عربيّ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ بالتّزكية وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ بالتّحلية وَجاهِدُوا فِي سَبِيلِهِ بمحو الصّفات ، والفناء بالذّات ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ من ظهور بقايا الصّفات والذّات . ( 1 : 328 ) أبو حيّان : نصّ على الجهاد وإن كان مندرجا تحت ابتغاء الوسيلة ، لأنّ به صلاح الأرض ، وبه قوام الدّين وحفظ الشّريعة ، فهو مغاير لأمر المحاربة ؛ إذ الجهاد